محمد خليل المرادي
66
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ثم بعد أيام حاصر القلعة الدمشقية ونصب لها الأطواب « 1 » من المرج الأخضر ، وضربها بالقنابر . فصارت تنزل القنابر على أهل البلد ولا تصيب القلعة ، حتى وقع على سقف الجامع الأموي منها واحدة ، فخرقته وانزعج الناس لذلك انزعاجا كليا . فخرج إليه بعض العلماء وأخبروه بما صار ، وأن هذا الأمر ليس بأمان لأهل دمشق . وأخبروه بما فعلت القنابر في البلد فأمر برفع حصار القلعة . وكان نصب من قبله مفتيا وقاضيا من أهل البلد . واستمر الحال على ذلك إلى يوم الاثنين رابع ربيع الأول لهذه السّنة . فورد من أورديّه « 2 » كتاب مضمونه : إنه كان سبب مجيئنا إلى هذه البلاد الشامية لأجل مقاتلة عثمان باشا . فلو خرج لنا لخارج البلدة ما قارشناكم « 3 » . وسبب تعرضنا للقلعة أن بها عثمان باشا وأمواله . فلما تحققنا ذهابه وأنه ليس بها رفعنا القتال عنها ، وما مرادنا بلدتكم ولا إضراركم وأذيتكم . وهذه بلدة مولانا السلطان الأعظم مصطفى خان ، والقلعة ، أيّد اللّه خلافته إلى يوم الدين . ولم يقع من عسكرنا أذيّة لأحد من أهل الشام ، فنرجو أن تبتهلوا بالدعاء لحضرة مولانا السلطان ولنا بالتبعيّة ، واذكرونا بالخير والجميل ، والسلام . وطلب الجواب من أعيان دمشق وعلمائها عن ذلك . فأجابوه : إنه وصل كتابكم وعرّفتمونا أن سبب مجيئكم عثمان باشا . وقد ذهب . وأن البلدة بلدة مولانا السلطان ، وما مرادنا البلدة . والآن إنكم عزمتم على العودة إلى مصر فتوجهوا إلى حيث شئتم والسلام . وثاني يوم ، وهو يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول ، رحل عن دمشق متوجها إلى مصر . فعند ذلك اجتمع علماء البلدة في دار السعادة « 4 » وكتبوا لكافل دمشق الوزير عثمان باشا جميع ما صدر ، وأن أبا الذهب رحل عن دمشق متوجها إلى مصر . ثم في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول ورد إلى دمشق كافلها عثمان باشا وولده محمد باشا ، والقاضي العام بها محمد مكي أفندي بن إبراهيم أفندي ، والأعيان الأفندية والعساكر التي كانت فرّت . وقدم رئيس اليرلية يوسف آغا بن جبري من جبل الدروز ومعه خمسة آلاف درزي ، وأنزلهم في البلدة بأمر من عثمان باشا . ثم بعد مدة أيام رفع عثمان باشا يوسف آغا المزبور إلى سجن القلعة ، وأمر بخنقه فخنق ،
--> ( 1 ) هنا بمعنى المدافع . ( 2 ) الأوردي المعسكر . ( 3 ) عامية شامية بمعنى : تعرّضنا لكم . ( 4 ) يعني السرايا ، وكان موقعها مكان القصر العدلي اليوم .